المنجي بوسنينة
773
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
تهجو بني لجأ لما انهزمت له * رعبا وأنفك مما قال مختصر إنّي أنا البحر غمرا لست جاسره * وسبيّ النار دون البحر تستعر [ شعر عمر بن لجأ ، ص 92 ] وهكذا التحم الهجاء بين الشاعرين ، فنظم جرير في هجاء عمر التيمي أربع عشرة قصيدة ، ورد عمر عليه بعشر قصائد طوال . ويبدو أن عمر كان خصما عنيدا لجرير يساعده في ذلك شعراء قومه المذكورون سابقا . ويروي أن حجناء بن جرير سأل أباه يوما : « من هاجيت فكان أقسى عليك ؟ قال : التيم ، كنت أقول القصيدة أحب إلي من بكري ، فيجتمعون ، فينقضونها » [ الموشح ، 206 ] . وثمّة روايتان في كتاب الأغاني حول نهاية هذه المعركة الشعرية بين عمر وجرير ، واحدة تصور الشاعرين في المدينة ، وقد أمر الوليد بن عبد الملك عامله عليها أبا بكر محمد بن حزم الأنصاري بأن يضريهما ، ليكفا عن التهاجي وقذف المحصنات من النساء [ الأغاني ، 8 / 71 - 72 ] . ويشكك د . يحيى الجبوري في هذه الرواية [ شعر عمر ، 13 ، الحاشية ] . والرواية الثانية رواها ابن سلام الجمحي عن أبي الغراف ، ومؤداها : أن رجالا من تميم مشت بين جرير وعمر ، وأصلحت بينهما بالعهود والمواثيق المغلّظة ألا يعودا إلى الهجاء ، فكف التيمي ، ولكن جريرا بقي يرسل الواحدة تلو الأخرى . . . فيقول التيمي : والله ما نقضت هذه ولا سمعتها . فيقول جرير : هذه كانت قبل الصلح [ الأغاني ، 8 / 78 ] . ويروى أن عمر بن لجأ قد اصطدم بالفرزدق الذي وقف إلى جانب جرير . ويروى أنهما تصالحا في البصرة بعد أن جاء الفرزدق يطلب من عمر أن يدله على مثالب بني جعفر بن كلاب [ النقائض ، 2 / 908 ] . والمدقق في شعر عمر بن لجأ يرى أن الهجاء قد استنفد جل أشعاره ، وأنّ أغراض الشعر الأخرى كانت قليلة بل ضامرة . ولا شك في أن الفخر يمتزج بالهجاء في فن النقائض . ففي الوقت الذي يهاجم عمر فيه جريرا ، ويلج في شمته وتجريحه ، يفخر بقومه وبوقائعهم وبأيامهم ، كما يفاخر بشعره وبقدرته على الإيذاء . ويضاف إلى الهجاء والفخر ، فنّ الوصف الذي تفوق فيه عمر ، وخاصّة وصف الناقة . وأبرز معاني الهجاء عند شاعرنا تتمثّل بالتشنيع على نسب جرير الأدنى ، وقذف قومه باللؤم ، والغض من انتسابه إلى تميم ، يقول عمر : فقد خلقت كليبك من تميم * مكان القرد من ذنب الفصيل وحظّ ابن المراغة من تميم * كحظّ الزانيات من الفحول فإنّك وافتخارك من كليب * ببيت اللؤم والعدد القليل كأورق ليس له جناح * على عودين يلعب بالهديل وابن مراغة هو لقب لجرير ، وكان الفرزدق ينبزه به في بعض شعره . ولا شك أن القدح في النسب يجرح الخصم ويؤذيه ، لأنّ العرب قديما كانت تفاخر بأنسابها ، وتشمخ بأروماتها وأجدادها . ويفخر الشاعر ، في موطن آخر ،